أهم الأخبارالعرض في الرئيسةفضاء حر

أحمد سيف حاشد.. عندما يجهَر الحقُّ في زمن الصمت المخملي

يمنات

ماجد يحيى الارياني

في زمنٍ تهاوت فيه القناعات، وانحنت الهامات أمام مغانم السلطة وبريق المناصب، يطلُّ علينا صوتٌ لا يشبه غيره. صوتٌ أجشٌّ، تخنقه الأمراض وتنال منه السنون، لكنه يظلُّ أشدَّ إنصاتاً من كل صمت، وأقوى جهراً من كل همس. إنه صوت البرلماني اليمني الأصيل، أحمد سيف حاشد، الذي لم تجد أوجاع الجسد ما لم تجده سطوة المال أو سلطان المنصب. لقد وقف هذا الرجل شامخاً كالطلح اليمني، متكئاً على عصا المبدأ، متمسكاً بقضايا شعبه، رافعاً شعاراً يجلجل في كل موقف: “الحقوق لا تُوهب، وإنما تؤخذ بالقوة”.

لم تكن هذه القوة التي يتحدث عنها هي قوة السلاح أو المال، بل قوة الموقف، وقوة الكلمة، وقوة الرفض. إنها القوة التي تستمد شرعيتها من جرأة الصدع بالحق في وجه الباطل، ومن الرفض القاطع لأن تكون الكرامة الإنسانية ورقة مساومة في لعبة السياسة.

أيتها الأصوات الحرة… أنتِ ميزان الخير في اليمن

لطالما ظن المسؤولون والقيادات أنهم وحدهم من يصنع القرار، ويديرون البلاد بعيداً عن هموم العباد. لكن الحقيقة الأكبر هي أن اليمن تظلُّ في خيرٍ ما دامت أصواتٌ كصوت أحمد سيف حاشد تُسمع في كل وادٍ ومكان. وجود هذه الأصوات هو الضمانة الوحيدة بأن البلاد لم تتحول بعدُ إلى ساحة صامتة لصفقات النخبة. وجودهم هو الدليل على أن الضمير الوطني لم يمت، وأن المنارة ما زالت تضيء لمن يبحث عن طريق الخلاص.

والكارثة الكبرى، الكارثة التي تهدم الأمم من الداخل، ليست في غياب الأصوات الحرة فقط، بل في تحوُّل الصوت الوطني النقي إلى صوت انتهازي، يمارس نفس الأساليب التي كان يحاربها، وينضم إلى جوقة التطبيل لمن خانوا الأمانة. عندما يتحول المناضل الذي آمنّا به إلى جزء من المنظومة التي تحارب الأحرار، فإن المجتمع يخسر أكثر من مجرد صوت؛ إنه يخسر قدوة، ويخسر دليلاً على أن النضال يمكن أن يستمر دون أن يفسد. المجتمع الذي يبحث عن مستقبل أفضل يحتاج إلى أمثال أحمد سيف حاشد على مدى الدهر، ليس فقط لأنهم يمثلون الماضي المشرف، بل لأنهم يمثلون المستقبل الممكن.

الأستاذ والمناظر… مدرسة في الوطنية الشريفة

أحمد سيف حاشد ليس مجرد نائب في البرلمان، بل هو مناظر بارز وأستاذ في فن المعارضة الشريفة. هو من أولئك الذين آمنوا أن المعارضة ليست هدماً لمجرد الهدم، بل هي دعوة حقيقية لصلاح الأوضاع، وبحث دؤوب عن قواسم مشتركة تخدم الوطن. هو صورة حية ومشرفة لهذا التيار الوطني الذي يضطر اليوم، وأمثاله كثر، للاختباء خلف “جلباب الخوف” – ذلك الرداء الثقيل الذي يخنق الأصوات التي نادت مبكراً بالإصلاح، ودعت إلى عدم الانسياق وراء الفكر الهدام والسلوكيات التي تمزق نسيج المجتمع.

وهنا، لا يمكن إلا أن نستذكر قامة وطنية شامخة أخرى، رحلت عنا باكراً، تاركة فراغاً كبيراً في سماء الكلمة المسؤولة. إنه الأستاذ محمد علي الربادي، الذي كان خطابه الوطني المبكر نبراساً ينير الطريق، ودعوته الصادقة إلى الإصلاح كانت بمثابة جرس إنذار مبكر لإنقاذ البلاد مما آل إليه حالها. رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته.

مضايقة الشرفاء… مخطط لتدمير اليمن

ما نراه اليوم من مضايقة وتهميش لكل صوت شريف لا يمكن أن يكون مجرد صدفة. إنه جزء أصيل من مخطط محكم يهدف إلى تدمير اليمن عبر إغلاق الأبواب أمام الأصوات الحرة والوطنية والمناضلة. الهدف هو إحلال ثقافة الصمت والطاعة العمياء، وإفراغ الساحة من كل من يمتلك الجرأة على قول “لا” أو “لماذا”. الهدف هو تحويل الإنسان اليمني إلى كتلة صماء تتحرك وفق الأوامر، لا إلى مواطن واعٍ بمصيره.

ما أرخص الإنسان في اليمن!

هذه العبارة التي اختزلتها في جملتك القصيرة تحمل في طياتها مأساة أمة بأكملها. ما قيمة الإنسان الذي يُكرَّم فيه الانتهازي ويُضطهد فيه الوطني؟ ما قيمة إنسان تُصفَّق فيه للخونة وتُدفن فيه أحرار الكلمة؟ أرخص ما في الأمر ليس ثمن الحياة المادية، بل رخص القيمة، رخص المبدأ، رخص الكرامة. عندما تصبح القيم قابلة للبيع والشراء، وعندما يصبح الشرف عائقاً في طريق المنصب، عندها يسقط الإنسان قبل أن تسقط الأوطان.

يبقى الأمل معقوداً على أن صوت الحق كالنهر الجاري. قد تحجبه الصخور الجلمودية، وقد تتستر عليه غابات النسيان، لكنه يظلُّ يجري في باطن الأرض، يشق طريقه بصبر وعناد، حتى يجد فرصته ليفجر ينبوعه من جديد، فيروي عطش الأجيال، ويذكرها بأن اليمن كانت وستظل، ما بقي فيها صوت كصوت أحمد سيف حاشد.

زر الذهاب إلى الأعلى